السيد كمال الحيدري

284

في ظلال العقيده والاخلاق

فتبيّن بذلك أنّ الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى وظهور الشهوة والغضب من غير عناد مع الحقّ . ومن خواصّ هذا الفعل الصادر عن جهالة أن إذا سكنت ثورة القوى وخمد لهيب الشهوة أو الغضب باقتراف السيّئة أو بحلول مانع بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج ، عاد الإنسان إلى العلم وزالت الجهالة وبانت الندامة ، بخلاف الفعل الصادر عن عناد وتعمّد ونحو ذلك فإنّ سبب صدوره لمّا لم يكن طغيان شئ من القوى والعواطف والأميال النفسانية ، بل كان أمراً يسمّى عندهم بخبث الذات ورداءة الفطرة ، لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال سريعاً أو بطيئاً ، بل دام نوعاً بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلّا أن يشاء الله . نعم ربّما يتّفق أن يرجع المعاند اللجوج عن عناده ولجاجه واستعلائه على الحقّ ، فيتواضع للحقّ ويدخل في ذلّ العبودية ، فيكشف ذلك عندهم عن أنّ عناده كان عن جهالة ، وفى الحقيقة كلّ معصية جهالة من الإنسان ، وعلى هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلّا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة والعافية . ثانيهما : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وقد أجمعوا على أنّ المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، والدليل قوله تعالى في الآية التالية : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْآنَ « 1 » .

--> ( 1 ) النساء : 18 .